موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

قصة الرجال الستة الذين أرعبوا فرنسا وقادوا الجزائر إلى النصر

84
image_pdf

في الثالث والعشرين من اكتوبر 1954 التقى ستة رجال دخلوا مدينة الجزائر متخفين متنكرين، لوضع آخر اللمسات على ما سيصبح أعظم وأخطر قرار اتخذه الجزائريون في تاريخهم. الستة هم ديدوش مراد ورابح بيطاط والعربي بن المهيدي وكريم بلقاسم ومحمد بوضياف ومصطفى بن بوالعيد تتراوح أعمارهم وقتها بين 27 و37 عاماً، كلهم كانوا ملاحقين من القضاء ومن البوليس الفرنسي كونهم قادة بارزين في «المنظمة الخاصة»، وهي الجناح المسلح لحزب الشعب الجزائري أكثر أحزاب الجزائر آنذاك راديكالية ومعاداة لإدارة الاحتلال. في بيت سري بحي «لابوانت بيسكاد اجتمعوا ليوم كامل درسوا فيه تفجير ثورة التحرير.

وتحدث محمد بوضياف اولا وقال لرفاقه انه الاجتماع الأخير قبل اندلاع الثورة. وفيه نتفق على كل النقاط. وعرض مناقشة اسم التنظيم الذي تنطلق الثورة باسمه فتم الاتفاق على «جبهة التحرير الوطني» بالنسبة للجناح السياسي. و«جيش التحرير الوطني» بالنسبة للجناح المسلح. وسميت «جبهة» بعد نقاش طويل واقتنع الجميع بالتسمية كونها تنظيماً مفتوحاً للجميع بهدف ثوري وبدون سند ايديولوجي. برنامجه الوحيد هو العمل بكل الوسائل لتعبئة الشعب بكل أطيافه وحشد القوة التي يمكن ان تهزم المستعمر وتطرده من البلاد.

وقدم تقييماً للاتصالات التي أجراها مع رفاق لهم يوجدون بالخارج خاصة في القاهرة. وقال إن الجميع هناك ويقصد حسين آيت احمد ومحمد خيذر وأحمد بن بللا وتوفيق المدني موافقون على اشعال الحرب وأن الاربعة شرعوا في اتصالات مع قيادات مصرية لدعم الثورة حال اندلاعها، وقال بوضياف ان الاخبار مطمئنة والجماعة اخبرته بأن المناخ الثوري السائد في مصر ملائم لاندلاع الثورة في الجزائر. 

وكان اجتماع سري عقد بالعاصمة في 23 مارس 1954 ضم 22 من الثوريين الجزائريين قد كلف محمد بوضياف بالاتصال بمجموعة الخارج وتحضيرهم للمساهمة في الثورة الآتية، وقدم كريم بلقاسم لمحة عن الاستعدادات للثورة في منطقة القبائل .

وخلال الاجتماع اتفقت المجموعة على كل تفاصيل تفجير الحرب في الساعة الصفر ليلة الفاتح من نوفمبر. وتم الاتفاق على ان تشتعل النار في مختلف مناطق البلاد بحسب الامكانات المحلية لكل مجموعة من المجموعات الثورية التي جرى تحضيرها بداية من مارس، ووضعوا خريطة قسمت البلاد الى خمس مناطق حربية يقود كل واحدة منها واحد منهم بينما يبقى محمد بوضياف منسقاً عاماً للعمل الثوري. 

بعد الاجتماع توجه الستة إلى مصور عمومي والتقطوا صورة تذكارية لاتزال تنشر كل عام في الصحف. وفي الساعة صفر من ليلة الاحد الى الاثنين اول نوفمبر نفذ الثوار 33 عملية متزامنة وموزعة على مختلف مناطق القطر. 

وخلال تلك الليلة وزعت مجموعات ثورية آلاف النسخ من بيان اول نوفمبر في شوارع المدن والقرى ليعلم الناس أن الأمر يتعلق بثورة منظمة تدعوهم للانخراط وليس بمجرد عمليات متفرقة فردية. فالبيان كان أول برنامج سياسي لجبهة التحرير الوطني حددت فيه أهدافها المتمثلة على وجه الخصوص في«العمل على تحقيق استقلال الجزائر التام عن طريق إعلان الثورة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي».

في الصباح هرعت فرق الجيش والبوليس وعشرات الصحفيين والمصورين الى أماكن العمليات للاطلاع على الاضرار. واعترف الفرنسيون ان الهجمات خلفت عشرة قتلى و27 جريحاً في صفوف العسكريين والشرطة والمستوطنين وخراباً كبيراً في ممتلكاتهم. 

وبحسب قيادة الثورة فإن عدد من شاركوا في العمليات المسلحة وهجمات التخريب على المصالح الفرنسية ومن ساهموا في توزيع المناشير زاد عن ألف 200 شخص.

وشنت الشرطة حملة اعتقالات واسعة في صفوف المدنيين. وجرت اشتباكات في الأيام الموالية في عدد من مناطق البلاد بين مجموعات من جيش التحرير والجيش الفرنسي وسقط أول شهيد في الثورة وهو ابن عبد المالك رمضان في الرابع من نوفمبر في معركة ضد العدو. أما اول شهيد بين القادة الستة الذين قادوا اندلاع الثورة فكان أصغرهم ( 1927 ) وهو ديدوش مراد ابن العاصمة الذي كان قائداً عاماً للعمليات الثورية شمال شرق الجزائر.

وقد سقط في ميدان الشرف يوم 18 يناير 1955 في معركة كبيرة جرت بمنطقة قسنطينة. وفي العام نفسه أسر قائد منطقة الجزائر العاصمة رابح بيطاط (1925) واصدر القضاء الفرنسي في حقه حكما بالسجن المؤبد وافرج عنه بعد وقف النار في 19 مارس 1962 تمهيداً للاستقلال. أما مصطفى بن بوالعيد قائد منطقة الاوراس جنوب شرق البلاد وهو اكبر مجموعة الستة سناً فقد استشهد في 22 مارس 1956 بمكيدة دبرها جيش الاحتلال وخونة جزائريين، حين فخخوا جهازاً مخصصاً للاتصالات ولما حاول استخدامه انفجر عليه وقضى في المكان. 

وفي 22 أكتوبر اعترضت مقاتلات فرنسية طائرة مدنية مغربية كانت تقل خمسة من قادة جبهة التحرير الوطني كانوا متجهين الى تونس وارغمتها على النزول في الجزائر فاعتقلتهم وكان من بينهم محمد بوضياف المنسق العام للثورة في الداخل والخارج. 

وكان كريم بلقاسم (1925) الوحيد من بين الستة الذي واصل الحرب حتى نهايتها. فقد قاد منطقة القبائل الى ان صار عضواً في القيادة المركزية للثورة فانتقل الى العاصمة في اغسطس 1956 ثم صار وزيراً في الحكومة الجزائرية المؤقتة ومقرها تونس. وقاد كريم بلقاسم الوفد الجزائري في مفاوضات الاستقلال وهو من وقع اتفاق وقف النار مع ممثلي الدولة الفرنسية. وبعد الاستقلال تعارض موقفه مع الرئيس احمد بن بللا اول رئيس للجمهورية الجزائرية وايضا مع قيادة الاركان التي كان على رأسها العقيد هواري بومدين ( الرئيس الثاني للجزائر) ونظم مقاومة مسلحة ثم غادر البلاد الى المانيا واغتيل شنقا في غرفته بفندق في فرانكفورت في 18 اكتوبر 1970.

كما غادر محمد بوضياف البلاد معارضاً الى المغرب وظل بها الى ان دعاه الجيش الجزائري في يناير 1992 للمساهمة في ايجاد حل للازمة التي اعقبت استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد على وقع هزيمة في انتخابات فاز بها الإسلاميون وألغى الجيش نتائجها. 

تلك قصة ستة رجال أرقوا جيش وحكومة فرنسا. وبصرف النظر عن نهاية كل واحد منهم فقد كانوا عماد حرب الاستقلال قادوها فأحسنوا قيادتها وتحقق النصر وإن بثمن غالٍ.. مليون ونصف مليون شهيد.

 

المصدر : وكالات 

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.