موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

تاريخيا ً : كيف هربت تركيا من أقدام روسيا إلى أنياب أمريكا

60
image_pdf

سار القادة الأتراك على خطى مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، في التبعية للغرب وتأكيد القطيعة مع الاتحاد السوفيتي، الذي لطالما نظروا إليه من منطلق الكيان الأخطابوطي الذي يسعى لابتلاعهم، وفي ذات الوقت لم يكن هؤلاء القادة يستنكفون من مغازلة الروس كل حين وآخر، ما وضعهم في إشكاليات ظلوا يدفعون ثمنها طوال الوقت.


خلال الفترة الأولى من تأسيس الجمهورية، انفتح أتاتورك بشكل كامل على الاتحاد السوفيتي، ( 1919 / 1935) إلى الدرجة التي يصح فيها القول إنه سلم مفاتيح البلاد إلى الروس، فتحكموا في مضائق البحر الأسود، واستخدموا الموقع “الجيوبوليتيكي” لتركيا في نشر الشيوعية، وضمنوا بذلك الوصول إلى المياه الدافئة في المتوسط، كل ذلك في مقابل حفنة من الأموال منحتها موسكو لنظيرتها أنقرة.

لأسباب غير واضحة، قرر أتاتورك الابتعاد عن المربع السوفيتي في مقابل الانفتاح التدريجي على الغرب الذي بدأ يبحث عن الوحدة مجددا لضمان تشكيل قوة تُلجم نفوذ الروس.

ولا دليل على الأسباب الحقيقية وراء موقف أتاتورك الجديد، إلا حصوله على إغراءات مالية من دول أوروبا، التي كانت تقلق من النفوذ السوفيتي في تركيا، لكونه يهدد مصالحهم، ولأنهم يدركون دائما من أين يؤكل الكتف، فأغروا أتاتورك بالأموال، والحصول على امتيازات اقتصادية واستثمارية منهم، فبدأ يعطي ظهره للاتحاد السوفيتي وتحديدا منذ العام 1935، لكن بعدما استفاد الروس منهم بشكل كبير.

منذ تلك اللحظة وتأكدت شكوك الروس تجاه نوايا وسياسات تركيا المتلونة، فقررت إنزال أشد العقاب بها، واقتناص قرب الفرص للثأر منها، على الرغم مما حققته من مكاسب وقتما كان أتاتورك يدور في فلكهم.

على خطى أتاتورك : منذ العام (1939 / 1945) وتحديدا إبان الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من سنوات “الحرب الباردة”، وتركيا في تبعية للغرب.
وجاءت الحرب الباردة على هوى الأتراك الذين يجيدون العمل كتابع للقوى الكبرى خاصة (الولايات المتحدة الأميركية و الاتحاد السوفيتي) من أجل الحصول على الأموال، ما أدى إلى تنازلهم عن سيادتهم واستقلالهم، الأمر الذي جعل ستالين ينقلب عليهم ويوجه لهم الصفعات التي لم تتوقف إلا بوفاته في خمسينيات القرن الماضي.

لكن ظلت تركيا تدفع ثمن تبعيتها للغرب، الذي دأب على تركها في أوقات كثيرة للمجهول، خاصة في ظل تصاعد التهديد الروسي لهم، فضلا عن تقديمها ككبش فداء، بين القوى الكبرى، ولعل حل “أزمة صواريخ كوبا” بين أميركا مع روسيا خير شاهد على ذلك.

الرعب من ستالين

“ستالين يغزو تركيا”، العنوان الذي تردد في وسائل الإعلام قبل وفاة ستالين بفترة، ليقذف الرعب في قلوب الأتراك خاصة بعد أن تحول ستالين من زعيم يأمل في التحالف مع تركيا لاستخدامها في حربه مع الغرب الليبرالي، إبان الحرب العالمية الثانية، إلى ناقم عليها وأخيرا إلى عدو صريح يدق طبول الحرب لغزو بلادهم من موسكو.

البداية شهدت تعاونا بين جوزيف ستالين زعيم الاتحاد السوفيتي مع الأتراك، منحهم الأموال التي يريدونها لبناء جمهوريتهم في مقابل نشر الشيوعية وفتح المضائق وتسهيل الطرق لروسيا حتى تخرج من عزلتها الجغرافية وتحقق أحلامها التوسعية، ولكنهم غدروا به.

اتجه عصمت إينونو الذي تولى الحكم في تركيا خلفا لأتاتورك إلى إقامة علاقات مكشوفة مع الغرب، ولقد سار في ذلك النحو على خطى أتاتورك الذي توفي العام 1938، وأبرم اتفاقا ثلاثيا مع بريطانيا وفرنسا اشتمل على شقين: الأول منح تركيا قرضين بنحو 157 مليون ليرة لشراء معدات عسكرية، وآخر بقيمة 116 مليون ليرة لدفع الحجز عن أرصدتها المجمدة، على أن يتم السداد خلال  20 عاما كاملة.

تمثل الشق الثاني من الاتفاقية بشراء بريطانيا 200 ألف طن من معدن الكروم من تركيا، إضافة إلى تسهيلات ومعاملات اقتصادية أخرى، ووفق دراسة عن العلاقات التركية البريطانية بين عامي 1935 و1945 المنشورة عن مركز دراسات جامعة الموصل.

جاء الاتفاق الثلاثي بالتزامن مع العلاقة الاقتصادية الكبيرة التي تربط تركيا بألمانيا مما جعل أنقرة تقع في مأزق لا تحسد عليه عقب تهديد برلين للندن وباريس في الحرب العالمية الثانية، حيث كان على الأتراك أن يساندوا حليفهم التجاري (ألمانيا)، كما يتحتم عليهم الوقوف إلى جانب بريطانيا وفرنسا وفق الاتفاق العسكري في اتفاقية عام 1939 بين القوى الثلاث.

تحججت تركيا بأنها ستقف على الحياد، وأنها لن تشترك في الحرب حتى لا تصطدم بالاتحاد السوفيتي باعتباره أحد حلفائها القدامى، وفور انتهاء المعارك صب ستالين غضبه على تركيا لأنها لم تساعده بشكل مباشر في الحرب.

انتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار ستالين الكبير على ألمانيا وتصديه لزحف هتلر الجنوني، وازدياد نفوذه في أوروبا الشرقية التي أصبحت تحت طوعه ما أوقع تركيا في دائرة الرعب من انتقام الاتحاد السوفيتي.

يذكر د. حنا عزو بهنان، في دراسة نشرها مركز الدراسات الإقليمية في جامعة الموصل عن العلاقات التركية الروسية بعد الحرب العالمية الثانية، أن معاداة السوفيت لتركيا خلال نهايات حكم ستالين ظهرت بوضوح من خلال ملاحقة الشيوعيين الأتراك والتضييق على تركيا بكل السبل.

وبثت وسائل الإعلام السوفيتية بعد عام 1945 دعاية مركزة تحث الأتراك على تغيير نظام الحكم بالقوة، واستخدم السوفييت عملاءهم وجهودهم في هذا الاتجاه، وحشد الاتحاد السوفيتي دولا ضد أنقرة مثل جورجيا التي حركها لتطالب تركيا باستعادة المنطقة الساحلية على البحر الأسود والتي تضم واردهان ولتتورتوم اسير باببورت وجوميسين وجرسون والميناء المهم تيبيزوند، الأمر الذي جعل د.أحمد نوري التميمي يصف في دراسته – “العلاقات التركية الروسية: دراسة في الصراع والتعاون” – الفترة بعد إلغاء معاهدة “الصداقة والحياد” بالحرجة للغاية في تاريخ تركيا، بينما وصفها آخرون بـ”المرحلة المظلمة في التاريخ التركي الحديث”.

تركيا ولاية أميركية

على يد عدنان مندريس ازدادت علاقات تركيا والاتحاد السوفيتي سوءا، فالرئيس الثالث للجمهورية التركية فتح بلاده للغرب من أول لحظة تولى فيها الحكم عام 1950 للحصول على أموال الولايات المتحدة، واتخاذ درع تحميها من غضب السوفيت.

لم يكن يدرك مندريس أن ارتماءه في أحضان تركيا لن تأتي بخير عليه، ففي عام 1955 استخدمت أميركا مندريس في حربها مع الروس، أنشأت ما سمي وقتها بحلف بغداد الذي  ضم العراق وتركيا وإيران وباكستان لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتي، فتحولت تركيا إلى قاعدة جوية مكدسة بالصواريخ الموجهة نحو الاتحاد السوفيتي، بينما كانت الاستخبارات الأميركية هي من يتولى إدارة الأمور داخل البلاد.

يقول الدكتور حنا عزو نهيان: “نشاط الدور التركي في الدعوة إلى حلف بغداد، لارتباطه باستراتيجية الحزام الشمالي التي اعتبرها الغرب بمثابة صمام أمان يمنع تغلغل النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط”.

منذ ذلك الوقت، وبدأت روسيا خطوات الانتقام من تركيا، فشنت صحف روسية في مقدمتها ازفستا والبرافدا هجوما شديدا على تركيا عام 1956 وصفت فيه تركيا بأنها تربط مصيرها بالسياسات المفلسة التي تهدف إلى زيادة حدة التوتر الدولي والحرب الباردة.

سبق “تحالف بغداد” – الذي نقل مقر قيادته إلى أنقرة عام 1958 – انضمام تركيا إلى حلف الناتو عام 1952 بأمر مباشر من الولايات المتحدة، وكشفت وثائق نشرتها وكالة الاستخبارات الأميركية على موقعها بعد إزالة السرية عنها، أن دول أوروبا لم تكن ترغب في البداية قبول تركيا المتلونة عضوا في التحالف العسكري وفي نهاية الأمر تم إصدار قرار بإدراجها في أكتوبر 1951، فيما انضمت رسميا إلى الناتو في 18 فبراير 1952.

كبش فداء 
في مارس عام 1959 وقعت تركيا على اتفاقية مع الولايات المتحدة الأميركية تخلى فيها عدنان مندريس عن سيادة بلاده، ومنح الأميركان الحق في إقامة القواعد العسكرية، وتدشين منصات الصواريخ باتجاه الاتحاد السوفيتي، أما الأميركان فقد ضحوا بتركيا في أزمة “صواريخ كوبا”.

نشأت الأزمة على يد الروس والأميركان، فقد عرف العالم المشروع “أميلي” الأميركي الذي استهدف نشر صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية في عدة بلدان في مقدمتها تركيا المجاورة للاتحاد السوفيتي، فأصبحت تركيا رأس حربة المشروع الذي كاد أن يشعل حربًا نووية عالمية، باعتبارها أقرب دولة حليفة لواشنطن من الجوار السوفيتي، ورد الأخير بالعمل على نصب منصات صواريخ نووية على أرض كوبا القريبة من السواحل الأميركية، ما أدى إلى أعنف مواجهة سياسية بين العملاقين في تاريخ الحرب الباردة، دفعت تركيا وحدها ثمنها.

انتهت بوادر الحرب النووية بين القوتين الكبيرتين وقتها في مسارات سرية، بعدما درست الولايات المتحدة سيناريوهات المواجهة التي تمثلت في مهاجمة كوبا عن طريق الجو والبحر، ليستقر الرأي بحظر كوبا عسكريا ومطالبة السوفيت بتفكيك أية قواعد صواريخ في كوبا، وإزالة جميع الأسلحة الهجومية.

في النهاية تم الاتفاق على ذلك لتقرر أميركا فك أسلحتها في تركيا ومنصات الصواريخ وكل ما يهدد روسيا، ما يعني التضحية بتركيا التي تملكها الرعب من اجتياح روسيا لها، بعد أن أصبحت عارية أمام الروس.

الأمور لم تقف عند التضحية بتركيا، وجعلها صيدا ثمينًا للروس، بل مثل الانسحاب الأميركي من تركيا كارثة على الاقتصاد، فلم يكن لدى عدنان مندريس مشروع لنهضة بلاده فقط كان يعول على الدعم واشنطن له، فعم السخط والغضب نتيجة ارتفاع الأسعار وانخفاض فرص العمل لتنتهي حياة مندريس على مشانق الإعدام، بعد انقلاب قام به الجيش في عام 1960.

الخاتمة
سياسة التبعية وعدم وضوح مشروع قومي لتركيا منذ تأسيس الجمهورية بات نهجا يتبعه جميع الساسة الذين جاءوا في أعقاب أتاتورك، فأصبح همهم اللعب على جميع الأطراف وتحقيق المكاسب بأقصر الطرق.

اللافت أن تركيا لم تجن من تلك السياسات إلا مكاسب محدودة وجميعها كان ينحصر في حزم مساعدات اقتصادية، لكنها ظلت في تبعية مهينة، للغرب تارة وللروس تارة أخرى، وفي المواقف التي كان ينبغي أن تحدد فيها مواقفها كانت تقف عارية وفي مهب الريح، وهو الأمر الذي ظهر خلال الحرب العالمية الثانية حينما رفضت مساعدة ستالين، فقرر أن ينكل بها بعدما اجتاح الجيش الأحمر جميع أوروبا الشرقية.

إردوغان أحد الذين يطبقون تلك السياسة الحمقاء، ويجني حاليا تبعات ذلك، فتارة ينحاز في صف روسيا على حساب الغرب، وتارة يبيع الغرب لحساب موسكو، وبوتين يدرك هذا المبدأ ولن يقبل بالتلاعب به من قبل إردوغان، لذلك لا يرى غضاضة في التنكيل بالرئيس التركي كلما استشعر منه المناورة.

 

المصدر : وكالات 

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.