موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

غسَّان كنفاني ماركسياً

83
image_pdf

يقول فضل النقيب في تقديم المجلد الخامس من الأعمال الكاملة لغسَّان كنفاني الصادر في طبعته الأولى عام 2015 والذي ضمَّ بين دفَّتيه بحوثاً سياسية قيِّمة ومهمة من جهة, وطازجة ما تزال في حضورها من جهة أخرى.

وقد تعثَّر صدروها وتأخر أكثر من أربعين عاماً بعد استشهاده:
كنتُ معه في مكتب مجلَّة “الهدف” لسان حال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مساء أحد أيام السبت أواخر آب 1970. وبعد أن أنهى عمله تركنا المكتب لنستقلّ سيارته إلى بيته في حيِّ الحازميَّة من ضواحي بيروت, وقبل أن يقود السيارة اعتذر غسَّان عن أنه نسي كتاباً يريد أن يحضره للبيت, فعاد إلى مكتب المجلَّة وأحضر معه كتاب “الدولة والثورة” تأليف لينين. وقال أنه في حاجة إلى الكتاب لأنه يُعدّ دراسة عن الماركسية, فابتسمت, فقال كأنه يُجيب على ابتسامتي: ولكن ستكون مكتوبة على طريقتي الخاصة. 


في الواقع كلّ ما كتبه كنفاني جاء مكتوباً على طريقته المميزة, كان يكتب, و يُغرّد -بلغة اليوم- داخل السرب وأحياناً كثيرة خارج السرب, هذا ديدنه في كل ما كتب, ملغياً بذلك الحواجز بينه وبين موضوعه الذي ينغمس فيه. جاءت دراسته تحت عنوان “الماركسية, في المجال النظري, في المجال التطبيقي, المناقشة” في حدود سبعين صفحة بَسَطَ فيها رؤيته عن الماركسية من وجهة نظر مفكِّر مقاتل في الخندق المتقدم من قلب المعركة, وهي تختلف اختلافاً بيناً عن رؤية أصحاب المكاتب المغلقة أو عن رؤية أهل الفكر المعلَّب الخارجين لتوِّهم من معطف “بيليكوف” بطل قصَّة انطون تشيخوف الرجل المعلب-تجدها منشورة في المجلد الثاني من الأعمال المختارة في أربعة مجلدات التي ترجمها عن الروسية الرجل النبيل أبو بكر يوسف- هذه النماذج البشريَّة التي تخشى كلّ تجديد وكلّ مبادرة بل وتفرح حين تدعها تعيش في ماضيها الغابر وعُلبها المُغلقة. 


يقول غسَّان كنفاني:
كنقطة ارتكاز لموضوعنا أُحبّ أن أستعير الفيلسوف جون ديوي لأؤدي على لسانه تفسيراً لماهية الفكر البشري. فهو يرى أن الفكر في الأساس أداة لخدمة الحياة, وأن الناس يُزاولون التفكير مضطرين, أي أن تفكيرهم هو طريقة يواجهون بها صعوبات حياتهم. أما مقياس صحة هذا التفكير فيُستقى من مدى ما يُحققه من نجاح في المضمار التطبيقي. 


نعم, بداية موفقة, كان في هذه الدراسة مقاتلاً, شجاعاً, واقعياً, حالماً, وقد بلغ من العمر في حينها أزيد من ثلاثين عاماً, ومما يؤسف له أنه ولد على عجل ورحل على عجل, فكان يقتحم المواقع الفكرية اقتحاماً, كأخيه أرنستو تشي جيفارا. ذخيرة سلاحه حبّه هذه الجماهير الغفيرة الكادحة, هؤلاء البؤساء أصحاب الأقدام الحافية في المخيمات, الجائعون, المعذبون, المهمشون في بلاد الشتات, يبحث معهم عن طرق خلاصهم من شقاء لا يُفارقهم. يبحث معهم لا يبحث لهم, لأنه كان مهموماً معهم, همَّه إنسان المخيم, وبيوت الصفيح, وأطفال الأزقة في المخيمات, والنساء الكادحات من الصباح إلى المساء, كأم سعد تلك المرأة “المدرسة اليومية” التي يتعلم منها, يريد أن يصل معهم إلى برِّ الأمان, والعودة معهم إلى ديارهم في فلسطين, لأن اللِّباس المُستعار لا يردّ برداً زمهريراً, وكانت جماهير المخيمات بردانة, تعبانة, لذلك فتش عن كارل ماركس لعله يجد عنده الحلَّ. فهل وجد عند هذا الشيخ الجليل ما كان يَصْبُو إليه, هو القادم من حركة القوميين العرب وشباب الثأر مع رفيق دربه جورج حبش؟ 


أنا هُنا لن أقرأ ما كتبه غسان كنفاني بعين الباحث المدقق, فهذه مهمة أخرى, بل سأسير معه سير الرفيق المخلص, وأنا أعرف ومقتنع بعنوانه العريض في روايته أم سعد “خيمة عن خيمة تفرق” وفي القياس: ماركسي عن ماركسي يفرق. ما رأيك في أني أحبُّه وأريد أن أسير معه في هذا الحديث سيرة الصديق الوفي الأمين فلا أسوؤه في نفسه ولا في رأيه, ولا أذهب مذهب أصحاب العلم الذين يضجون بموضوع بحثهم فيخضعونه لألوان من التمحيص وضروب من التحليل, يحملونه من ذلك ما يطيق وما لا يطيق, ويعرضونه من ذلك لما يحبّ وما لا يحبّ.

وأنا أعرف تماماً أنه أحبّ الماركسية وأهلها. فهو يكتب في مجلَّة الصياد باسمه المستعار فارس فارس بتاريخ 2/3/1972: ربَّما كان ماركس واحداً من القلائل الذين لا يمكن أن تُكتب سيرةُ حياتهم بمعزل عن تلك العمارة الفكريَّة الهائلة التي أفنى عمره يبنيها حجراً فوق حجر.
أفلو كان غسّان كنفاني حيَّاً معاصراً وكنت له صديقاً أتراني كنت أظهر من امره ما يقتضي إظهاره, وأجهر بما يفرض أن يجهروا به مضحياً في سبيل ذلك بما يمكن أن يكلف ذلك من الحزن والألم؟ أم تراني كنت أوثر ودَّه وأرعى حقه فأحفظ عليه غيبه ولا أوذيه فيما لا يحبّ الناس أن يؤذوا فيه من أمورهم؟ 


من وجهة نظري, أنا مع رأي فضل النقيب, الذي يؤكد بأن غسَّان كنفاني اقترب في موقفه من موقف المُناضل و المفكِّر الباكستاني الثوري الكبير “إقبال أحمد” الذي عاش تجربة الثورة الجزائرية وثورات تحررية أخرى, ودرسها درساً متقناً, واستخلص منها الكثير من العبر, لذلك نقل أفكاره بحبِّ-على حدِّ تعبير إدوارد سعيد- إلى رفاقه في المقاومة بعد زيارة معاقلهم في جنوب لبنان في نهاية سبعينيات القرن العشرين, وحذَّر الفصائل الفلسطينية المُقاتلة من مخاطر الوقوع في فخِّ الاعتماد على الكفاح المسلَّح خياراً نضالياً وحيداً من دون تأطيره بنضال جماهيري تحرري وطني واجتماعي وقومي. 


ليتك يا غسَّان كُنْتَ بيننا اليوم لتعرف ما آلت إليه أحوال الخلق في هذا الزمن الأغبر, ولكن هيهات, ما كلُّ ما يتمنى المرء يُدركه/ تجرى الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ. وقد كانت الرياح التي ضربت مواقعنا عاصفة عاتية. قتلوك حين كنتَ لا تزال تنمو وتكبر، وكان خطرك على إسرائيل أكبر من أن يتحملوا وجوده, فنسفوك نسفاً.


وفي مساء يوم الفاجعة قالت ابنتك ليلى لأمها الدنماركية-الفلسطينية آني هوفي كنفاني: ماما، لم تكن تلك غلطة بابا، الإسرائيليين هم الذين عملوا على وضع القنبلة في سيارته. كان صباحاً صيفياً دامياً في بيروت يوم السبت الثامن من تموز 1972 يزن سبعة كيلوغرامات من المتفجرات مزَّقت جسد ذلك الغزال الذي كان يُبشِّر بزلزال. 

 

(نُشر هذا المقال في صحيفة “طريق الشعب” الحزب الشيوعي العراقي)

المصدر : الحوار المتمدن

 

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.