موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

الشرق الأوسط : بداية تحالفات دولية جديدة ؟

767
image_pdf

بداية تحالفات دولية جديدة

تعتبر معركة إدلب المعركة الفاصلة في تاريخ الأزمة السورية عسكرياً وسياسياً، لما تتمتع به من موقع استراتيجي وذلك لقربها من البحر المتوسط ومن قاعدة حميميم الروسية ومفصل ربط الشمال السوري بالساحل والداخل كما وتعتبر بوابة مفيدة لتحرير عفرين وبقية المناطق المحتلة من قبل تركيا. فروسيا مصرة على تحرير إدلب لضمان حماية قاعدتها الاستراتيجية في حميميم ونفوذها في الساحل السوري من جهة والقضاء على المجاميع الارهابية في إدلب من جهة أخرى، بالإضافة إلى زيادة سيطرة النظام على المزيد من جغرافية سوريا والتي سوف تضعف الجماعات المسلحة أو ما تسمى بالمعارضة سياسياً وعسكرياً. وإيران تحاول إعادة السيطرة على بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين وحماية حلب وإطالة أمد تواجدها في سوريا. أما تركيا فتعتبر إدلب المعقل الرئيسي لضمان ديمومة احتلالها لعفرين وجرابلس والباب والحفاظ على مرتزقتها من الجماعات الإرهابية (جبهة النصرة ودرع الفرات وأحرار الشام….) وإعطاء الصبغة الشرعية لتلك الجماعات من خلال دمجهم في هيكلية جديدة كالجبهة الوطنية للتحرير ومن خلالها تقوم تركيا بتنفيذ أجنداتها في سوريا.

فبعد التصعيد السياسي والعسكري من قبل الولايات المتحدة الأمريكية لمنع عملية إدلب، وقيام تركيا باستقدام تعزيزات عسكرية إليها و كذلك إلى عفرين لمنع عملية إدلب ومحاولة منع تقدم قوات سوريا الديمقراطية باتجاه عفرين، ومع رغبة روسيا بالسيطرة على إدلب، تم عقد قمة طهران بين بوتين وروحاني وأردوغان وانتهت من دون الوصول إلى حل في إدلب، بل ظهرت على السطح بوادر خلافات تركية روسية ومع إصرار روسيا على عملية إدلب وقيامها بهجمات غير مسبوقة على أطرافها أجبرت أردوغان على طلب مهلة من روسيا لإيجاد حلول تنهي تفاقم الخلافات معها ومن ثم طلب أردوغان من بوتين عقد قمة في سوتشي لحل أزمة إدلب، التي أسفرت عن قيام تركيا بتقديم تنازلات لروسيا منها إقامة منطقة منزوعة السلاح بعرض 15 إلى 20كم على طول خط التماس بينهما وإقامة إدارة مشتركة في تلك المنطقة وتسليم الاسلحة الثقيلة، فتركيا وبسبب خلافاتها مع الولايات المتحدة من جهة ومع حلف الناتو من جهة أخرى وخوفها من ظهور خلافات مع روسيا التي تهدف إلى السيطرة على إدلب من جهة أخرى ستجعل تركيا منعزلة دولياً وستكون خارج اللعبة والتي قد تؤدي في النهاية إلى إنهاء تواجدها في شمال سوريا وخاصة في عفرين، فعلاقاتها مع روسيا أصبحت ضرورة حتمية، وبذلك تكون تركيا قد أصبحت أداة بيد روسيا ولن تستطيع اتخاذ قرارات بعيدة عن الأجندة الروسية. أما في حال قامت تركيا بتغيير سياستها في المنطقة وعملت على إعادة علاقاتها مع الولايات المتحدة فإن أول تنازل تركي للولايات المتحدة قد يكون الرضوخ للسياسة الأمريكية في سوريا وخاصة شمال سوريا أما الموقف الروسي حيال التغير في الموقف التركي سيكون برد عسكري على مناطق الاحتلال التركي وتحريرها، لذا لا ترغب تركيا بذلك وترى في تقاربها مع روسيا هي ضمان وديمومة بقاء نفوذها في سوريا ومنع تقدم قوات سوريا الديمقراطية نحو عفرين والوقوف في وجه السياسة الأمريكية, أي ان تركيا بسبب سياسة أردوغان أصبحت بين فكي كماشة الولايات المتحدة من جهة وروسيا من جهة أخرى.

أما روسيا ورغم وصولها إلى تسوية مع تركيا فترى أن هذا الاتفاق مؤقت وذلك بسبب استمرار تواجد الجماعات الإرهابية في إدلب والتي ماتزال تشكل تهديداً للنفوذ الروسي وقاعدة حميميم في الساحل السوري واستمرار هذا الاتفاق يتوقف على مدى جدية وقدرة تركيا على إبعاد جماعاتها الإرهابية ومنع هجماتهم على مناطق نفوذها وقاعدتها العسكرية في حميميم وهذا ليس بالأمر السهل، كما يعتمد استمرار هذا الاتفاق على مواقف تركيا المؤيدة للسياسات الروسية، و تهدف روسيا إلى السيطرة على القرار التركي ومن ثم إحداث شرخ في العلاقات التركية الأمريكية ومع حلف الناتو، وتشكيل حلف جديد تنضم تركيا وإيران إليها وما صفقة أس400 إلا لتوسيع الشرخ في تلك العلاقات. أما بالنسبة لمنطقة الشهباء ورغم وجود اتفاق بين الطرفين إلا أن روسيا غير مستعدة حالياً لتنفيذ ذلك الاتفاق بسبب ضعف تركيا من جهة والاحتفاظ بأوراق ضغط عليها من جهة أخرى، كما وتهدف إلى اعادة العلاقات التركية مع النظام والذي قد يزيد الضغط على قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية وتهديد الوجود الأمريكي في الشمال السوري.

أما إيران والواقعة في أزمة اقتصادية كبيرة نتيجة العقوبات الأمريكية, هذه العقوبات والعقوبات المفروضة على تركيا كانت سبباً في التقارب بينهما، خاصة ان تركيا رفضت تنفيذ العقوبات الأمريكية على إيران، وظهر هذا التقارب بشكل واضح في قمة طهران والذي أدى إلى تغيير في السياسة الإيرانية اتجاه تركيا في إدلب فبعدما كانت مصرة على عملية إدلب وخاصة بعد تسليم بلدتي كفريا والفوعة للمجموعات الإرهابية أصبحت الآن ترفض العمل العسكري وتتمسك بالحل السياسي, لإحداث توازن بين أهدافها في إدلب وعلاقاتها مع تركيا, بالإضافة إلى مواجهة التواجد الأمريكي في شمال سوريا والمشروع الديمقراطي، فالتعاون التركي الإيراني قد يتحول إلى تعاون استراتيجي في ظل استمرار العقوبات الأمريكية عليهما.

وتقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتوسيع قواعدها وتحصينها حيث بات تواجدها ضرورياً بعد التقارب الروسي التركي الإيراني وعدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على استخدام قاعدة أنجرليك إلا بموافقة أردوغان وبرلمانه المسيس وحتى وإن استخدمت القاعدة في مكافحة الإرهاب، لذلك تعمل الولايات المتحدة على بناء وتوسيع قواعد لها والتي قد تكون بديلاً عن قاعدة أنجر ليك التركية. فجناح الصقور في الإدارة الأمريكية يصر على بقاء تواجدهم في سوريا وزيادة الدعم لقوات سوريا الديمقراطية كونها أفضل قوة ديمقراطية منظمة ومتماسكة تحمل إيديولوجية معتدلة تتعامل معها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وحقق تعاونهما انتصارات كبيرة على الإرهاب وقد يتحول هذا التعاون إلى تعاون استراتيجي على المدى القريب، لذا من غير الممكن أن تقوم الولايات المتحدة بسحب قواتها من شمال وشرق سوريا للحفاظ على وزنها في الشرق الأوسط والعالم وعدم خسارتها لثقة حلفائها في المنطقة. وقد تكون للولايات المتحدة الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية دوراً فعالاً في ملف إدلب فرغم وجود الجماعات الإرهابية في إدلب ترفض الولايات المتحدة أي عملية عسكرية عليها وتهدد بضرب النظام في حال استخدام الاسلحة الكيميائية، من الواضح أن الولايات المتحدة تحاول منع روسيا من السيطرة على إدلب. وبذلك ستكون معركة إدلب نقطة التحول في التحالفات الإقليمية والدولية والتي ستؤثر على الأزمة السورية سياسياً وعسكرياً بشكل خاص وعلى منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

 

المصدر : مركز روجافا للدراسات 

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.