موقع اممي ثوري ثقافي مناهض للامبريالية ومناصر لقضايا الشعوب حول العالم.

الري ” في عهد حمورابي

544
image_pdf

حمورابي | احتلت مشاريع الري جانبا مهما من نشاطات الملك ( حمورابي 1792 – 1750 ق . م ) لما للري من اهمية بالغة في تطور النشاطات الزراعية، والتي تعتبر الركن الاساس في البنية الاقتصادية لحضارة بلاد وادي الرافدين ، كما تشكل الاساس المادي الصلد لأوجه التطورات المختلفة التي عاشتها تلك الحضارة في جوانبها الفكرية والمادية .

صرف ( حمورابي ) كبير اهتماماته للعناية بشؤون الري ، جريا على عادة كثير من الملوك العراقيين القدماء وقام بشق قنوات جديدة او كري وتنظيف القنوات القديمة ، ويفتخر في كتاباته بأنه ( جلب مصادر لا تنضب من المياه الى بلاد سومر واكد ) واعتبر اعماله تلك من جملة الاعمال العظيمة التي انجزها في حياته ، فتباهى بذكرها في مقدمة قانونه الشهير والتي يصف نفسه فيها ب( السيد الذي انعش الوركاء … والذي جهز سكانها بفيض من الماء … الذي وسع الارض المزروعة التابعة لمدينة دلبات  الذي يهيئ المراعي واماكن المياه الى لكش وكرسو … الذي يجهز مشلام بالماء الوفير للشرب ) .

ولأهمية مشاريع الري والسقي بصورة عامة في اقتصاديات الدولة فإن بعض الباحثين يرجح ان تكون واحدة من الاسباب التي دفعت ( حمورابي ) الى احتلال مدينة ( ماري ) حليفته في اواسط الفرات تتمثل في كثرة مشاريع الري على نهر الفرات والتي قام بها ( زمريلم ) ومن سبقه من الملوك ، مما ادى الى حجز كميات كبيرة من المياه وبالتالي تسبب في احداث نقص ملحوظ في كميات المياه المتدفقة الى مناطق الوسط والجنوب وبخاصة في موسم الصيف، مما هدد اقتصاد المملكة وبالتالي امن وسلامة وتطور البلاد فاضطر ذلك ( حمورابي ) الى احتلال مدينة ( ماري ) في سنة حكمه ال33 واعاد الكرة عليها في سنة حكمه ال35 ، وكان من بين ما استهدفه في مملكة ( ماري ) تدمير نظام الري المتطور فيها ليوفر الماء بغزارة الى المدن العراقية في الجنوب .

بذل الملك ( حمورابي ) اهتماما كبيرا بايجاد نظام متطور للري تتوضح معالمه من خلال متابعته الشخصية لشؤون الري والجوانب التكميلية لها والتي منها كري الانهار والقنوات وتنظيفها من النباتات المائية والاعشاب التي تعيق سير المياه ، وكذلك في كري الترسبات التي تغمر القاع بكميات كبيرة من الطين والغرين بفعل الفيضانات السنوية للانهار، كما نستشف من اهتمام حمورابي بالري من اطلاعه المباشر على الشكاوي والمظالم التي ترفع اليه من الفلاحين والمزارعين حول مشاكل الري من زيادة او نقصان المياه او تأخير او تأجيل مواعيدها .

ومن مظاهر اهتمام ( حمورابي ) يشؤون الري وتنظيم السقي ان خصص لهذا الموضوع الحيوي عددا من المواد القانونية ( المواد 53 – 56 ) فقد جاء في المادة ال53 ( اذا تقاعس رجل في تقوية ضفاف حقله ولم يقو ضفة جدوله ، وحدثت فتحة في ضفة جدوله ، فترك الماء يخرب الارض المزروعة المجاورة ، فعلى الرجل الذي حدثت الفتحة في ضفته ان يعوض الحبوب التي سبب تلفها في حقل جاره ) ، وتتطرق المواد ( 54 – 56 ) عن تغريم من يتقاعس او يهمل مراقبة السقي وسبب ضررا بالاراضي الزراعية المجاورة له، وتصل تلك الغرامات في بعض الاحيان الى حد بيع الشخص المسيء هو وممتلكاته تعويضا لما سببه من اضرار بالاخرين .

ويتأكد لنا دور الملك ( حمورابي ) وحكام المدن والمقاطعات في موافاة شؤون الري ورعايتها والسهر على سلامتها وتنظيم امورها من مجموعة من رسائله الموجهة الى حكام المدن التابعة له .
فشؤون الري عمل اداري مهم كان ( حمورابي ) يقف في مقدمة المسؤولين الذي يرعونه ويليه حكام المدن والمقاطعات ويتبعهم عدد من الموظفين الذين يباشرون الاعمال ويشرفون على تنفيذها عمليا .
وتمثل الرسائل الخاصة بشؤون الري جانبا واسعا من الجوانب المختلفة التي تطرق اليها ( حمورابي ) في رسائله الموجهة الى حكام المدن والمقاطعات وهي تمدنا بمعلومات مهمة حول تنظيم عملية شق القنوات وكريها .
ففي رسالة الى احد هؤلاء الحكام يأمره فيها بقوله ( يجب ان تدعو الرجال الذين يملكون اراضي على طول ضفاف قناة … لكي ينظفوا قناة … وان يكملوا عملية التنظيف خلال شهر ) .

وفي رسالة اخرى الى حاكم اخر جاء فيها ( أمرت ( اسماء عدد من الاشخاص ) بأن يذهبوا الى قناة … على ان ينظفوا قاع القناة من الرمال ، اذهب يا شمش خاصر اليهم عند القناة … اجعل شيوخ المدينة القاطنين في الحقول ان يأخذوا مراكزهم … نظفها وارسل لي تقريرا بذلك ) .

وهناك رسالة اخرى من ( حمورابي ) الى احد حكامه وهي رسالا جوابية على ما ارسله ذلك الحاكم بخصوص اصدار اوامر ملكية لتنظيم عملية السقي جاء فيها ( قلت لي يا شمش خاصر … يجب ان تغلق فتحة ” سقي ” مدينة … لأن الماء وصل كاملا الى النهر … وان يخبر بذلك ( اسماء عدد من الاشخاص ) وان يثبت سيدي توزيع الحصص ، وأن يأمر بتقوية فتحات السقي في نهر … ) ، وجاء في نهاية الرسالة ان ( حمورابي اصدار اوامره الملكية بشأن ذلك .

وفرض ( حمورابي ) على حكام المدن والمقاطعات ان يرسلوا له تقارير وافية عن سير الاعمال الخاصة بشؤون الري، وكانوا يطلبون منه المشورة عند مواجهتم صعوبات ومعوقات في عمليات الكري والتنظيف ، ويتوضح ذلك من خلال رسالة بعث بها ( حمورابي )العراق حكم العالم:

الى احد الحكام الذي يبدو انه استفسر منه عن صعوبة واجهته في عملية تنظيف مجرى نهر الفرات بين مدينة ( لارسا ) و مدينة ( اور ) ويلتمس من حمورابي تعليمات جديدة بشأن ذلك .
ويتضح مما بقي من الرسالة ان ( حمورابي ) ارسل اليه تعليمات جديدة تضمنت تنظيف المجرى من القصب والنباتات المائية التي تعيق مجرى النهر وان يصلح ضفتي النهر .

ويظهر انه كان يبعث بمراقبين او مفتشين يرفعون تقاريرهم عن نتائج تلك الاعمال الى ( حمورابي ) مباشرة فاذا ثبت ان هناك تهاون او تقصير من قبل الحكام في تنفيذ اوامره فأنه يصدر اوامر باعادة الكري والتنظيف وان يتم العمل باسرع وقت ممكن .

ويتضح ذلك من رسالة بعث بها ( حمورابي ) مباشرة الى احد الحكام يأمره فيها بأعادة تنظيف احدى القنوات المائية الواصلة الى مدينة ( الوركاء ) وان يكمل هذه العملية بصورة جيدة وخلال ثلاث ايام .

وكان ( حمورابي ) يرسل اوامره بشأن عمليات السقي وتعليمات بشأن فتح او غلق بوابات الانهار والقنوات عن الحالات الطارئة ، او يوعز بأنشاء سدود حاجزة لرفع مناسيب مياه النهر عند شحتها وقد امر احد حكامه في رسالة بعثها له ( اذا كان هناك ماء ” كاف ” في لارسا واور لا تبني سدا عند فم النهر الذي اخبرتك عنه ، اما اذا لم يكن هناك ماء في لارسا واور ، ابني سدا في منابع الانهار التي اخبرتك عنها ، يجب ان تحصل لارسا واور على الماء ) .

وهناك رسالة اخرى الى نغس الحاكم يقول فيها ( اذا وجدت عند تفتيشك ان السدود لا تقوى امام مياه الفيضان القادم افتح قناة … وقناة … كما اخبرتك ) ، وعمد ( حمورابي ) الى اسلوب اخر لمعالجة نقص المياه او زيادتها عن الحاجة في اوقات الفيضانات الشديدة بالاستفادة من المنخفضات الطبيعية كالاهوار والمتسنقعات المنتشرة في جنوبي العراق وعمل على انشاء خزانات اصطناعية زيادة في الاحتياط وقد ورد في رسالة له موجهة الى احد الحكام يخبره فيها ( جاء الفيضان مسرعا ، الماء يزداد بسرعة ، افتح الخزان المنشئ من اجل الاهوار واملأ الحقول المجاورة الى لارسا بالماء ) .

حقوق النشر محفوظة لصفحة ( العراق حكم العالم – Iraq ruled the world ) .

المصادر: 
– حمورابي 1792 – 1750 ق . م / محمد طه الاعظمي .
– حمورابي ملك بابل وعصره / هورست كلنغل .

الأستاذ علي غضبان مشكل 

image_pdf
قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.